العلاقة بين الأندلس وبين فلسطين
بسم الله الرحمن الرحيم.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ،انه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله...
أما بعد :
ولن انسى قضية فلسطين ولكن العلاقة وثيقة جداً بين قضية فلسطين الحالية وبين الأندلس الماضية، من جديد ألحظ دهشة في العيون تظهر - سبحان الله- مع تباعد الزمان وتباعد المكان فإن العلاقة وثيقة بين الأندلس وبين فلسطين!!!. نعم وثيقة وسنرى الرباط بينهما بعد قليل.
ملحوظة في غاية الأهمية لتاريخ الأندلس، لماذا لم يعد للإسلام ذكرٌ في هذه البلاد إلا آثارا قديمة، وبعض المساجد التى حولت إلى كنائس، بينما احتلت بلاد إسلامية كثيرة غير بلاد الأندلس، ومع ذلك لم يخرج منها الإسلام، احتلت مصر والجزائر وسوريا والسودان وليبيا والعراق، ومعظم بلاد العالم الإسلامي، لكن البلاد ما زالت مسلمة بعد الاحتلال الطويل، أما إسبانيا فالوضع فيها مختلف ،لماذا؟، ذلك أن الإحتلال الإسباني للممالك الإسلامية في الأندلس كان احتلالاً استيطانيًا احلالياً سرطانياً بمعنى: أن الأسبان ما كانوا يدخلون مدينة إسلامية إلا ويقتلون أهلها جميعاً، مذابح جماعية في كل مكان، أو يطردونهم خارج البلاد، وهكذا مع الوقت يتحول سكان البلد المسلمون إلى شهداء أو لاجئين، ثم يأتون بالإسبان من كل مكان يستوطنون هذه البلاد.
وهكذ مع مرور الوقت أصبح سكان الأندلس كلهم من الأسبان وليسوا من المسلمين واختفى المسلمون بالكلية من ساحة الأندلس.
ترى كيف كان حال المسلمين حول بلاد الأندلس، في البلاد المجاورة في تونس في الجزائر في المغرب في مصر في الشام كيف كان حال المسلمين وقت سقوط الأندلس، كان المسلمون في فرقة شديدة وضعف، ولا شك انهم فكروا مع هذا الضعف في استعادة بلاد الأندلس ولكنهم لم يستطيعوا هذا لضعف قوتهم ومن المؤكد أن اللاجئين اللذين خرجوا من بلاد الأندلس عند السقوط فكروا يوماً ما في العودة ولكن لم يستطيعوا لضعف امكانيتهم وقلة حيلتهم.
وهكذا مرّ شهرٌ او شهران وعامٌ أو عامان وقرنٌ أو قرنان بل خمسة قرون، وضاعت الأندلس- إسبانيا والبرتغال- من ذاكرة المسلمين.
منّ منَ المسلمين الآن يفكر في إستعادة الأندلس؟
الأندلس الآن عبارة عن دولتين، تربطهما مع كل بلاد المسلمين علاقات حميمة، كان المؤرخون قديماً، عندما يتحدثون عن الأندلس بعد سقوطها يقولون: أعادها الله للمسلمين،
كما يتحدث مؤرخ فيقول: فتح طارق بن زياد رحمه الله، بلاد الأندلس- أعادها الله للمسلمين- في سنة 92هـ ذلك لأنها كانت دائما في الذاكرة، أما مع تقادم العهد فقد اختفت :"الكلمة" كلمة أعادها الله للمسلمين، اختفت من أفواه المؤرخين، انظروا إلى زيارة قام بها سفير مغربي للأندلس اسبانيا بعد سقوطها بأكثر من مئة عام، هذا السفير اسمه الغزَّال الفاسيّ رحمه الله، سفير سلطان المغرب الى ملك اسبانيا كارلوس الثالث، زار في هذه السفارة مسجد قرطبة الجامع العظيم،
فقال عنه: وهو من أعظم مساجد الدنيا في الطول والعرض والعلو، ومنذ عبرنا هذا المسجد لم تفتر لنا عبرة مما شاهدنا من عظمته، وتذكرنا ما كان عليه في عهد الإسلام، وما قرئ فيه من العلوم وتليت فيه من الآيات، وأقيمت به من الصلوات، وقد تُخيل في الفكر أن حيطان المسجد وسواريه تسلم علينا، وتهش إلينا من شدة ما وجدنا من الأسى، حتى صرنا نخاطب الجمادات، ونعانق كل سارية، ونقبل سواري المسجد وجدرانه سبحان الله!! ما أشبه اليوم بالبارحة، الأندلس تتكرر من جديد، أين؟ في فلسطين نعم، نفس طريقة الاحتلال الإسباني، قتل أو طرد للمسلمين، تحويل الشعب إلى لاجئ وشهيد، هدم للمباني والديار، وإقامة للمستوطنات اليهودية في كل مكان، عملية إحلال منظمة للشعب الفلسطيني بالشعب اليهودي، وإن ترك الامر على حاله في تراخٍ ودعة من المسلمين فإن مصير فلسطين نفس مصير الأندلس. إذا تقادم العهد على عملية الاستيطان والإحلال سيصبح المكان مع مرور الزمان اسمه اسرائيل، كما أصبحت الأندلس بعد مرور الزمان اسمها أسبانيا والبرتغال. إذا تقادم العهد على احتلال فلسطين فقد يأتي زمان يزور فيه المسلمون المسجد الأقصى كما كانوا يزورون مسجد قرطبة يقبلون السواري والجدران، و يسمعون بآذانهم شكوى المسجد لهم يقول: أين المسلمون؟ يا أخوة!.
قضية فلسطين قضية من أخطر قضايا أمة الإسلام، بل لعلها الأخطر على الإطلاق، قضية فلسطين أخطر بكثير من كل القضايا الداخلية والخارجية لكل أقطار الإسلام، وهي بالتبعية أخطر من كل قضايا الأفراد الشخصية، قضية فلسطين هـي قضية أمة تذبح، وشعب يباد، وأرض تغتصب، وحرمات تنتهك، وكرامة تهان، ودين يضيع، يراها البعض قضية معقدة أشد التعقيد، وهي بالنسبة للآخرين واضحة كالشمس في وسط النهار، الفارق بين الناس هو المنظور الذي ينظر به إلى القضية…
[ من كتاب د راغب السرجاني]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق