{شرح متن الأربعين النووية}
لفضيلة الشيخ الدكتور
علي إسماعيل القديمي الشافعي
حفظه الله تعالى
الدرس الأول
[الحديث الأول] عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﭬ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى الله وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ». رَوَاهُ إِمَامَا الْمُحَدِّثِينَ: أبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْمُغِيرَة بن بَرْدِزبَه الْبُخَارِيُّ الجُعْفِيّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمٌ بنُ الْحَجَّاج بن مُسْلِم الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ؛ فِي صَحِيحَيْهِمَا اللذِينِ هُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهبإحسان إلى يوم الدين اللهَّم افتح لنا حكمتك وانشر علينا بركتك وألبسنا لباس عزك وعفوك وعافيتك يا رب العالمين.
في هذه السلسلة بإذن الله تبارك وتعالى نستعين الله عز وجل في أن نضع بعض التعليقات على كتاب شهيروكتاب مبارك من إمام مبارك في قول مبارك وهو قول النبي ﷺ.
هذا الكتاب هو كتاب الأربعين النووية كتاب أشهر من أن يذكر مشهور بين العلماء، وبين طلاب العلم، وبين عامةالناس.
هذا الكتاب، الإمام النووي -رحمه الله - اقتدى فيه بأئمة أعلام جمعوا أربعين حديثًا في أصول الدين، وبعضهمجمعها في الفروع، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الأداب، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الخطب، وكلهامقاصد صالحة.
والإمام النووي -رحمه الله- رأى أن يجمع أربعين مشتملة على جميع ذلك، بل قال: أن كل حديث منها قاعدةعظيمة من قواعد الدين، إما أن يكون العلماء قد وصفوا هذا الحديث بأنه مدار الإسلام عليه، أو وصفوه بأنه نصف الإسلام، أو وصفوه بأنه ثلثه، وهكذا…
وبين أيضا الإمام النووي -رحمه الله- أنه التزم أن تكون هذه الأربعون حديثا صحيحة، او أن معظمها فيصحيح البخاري ومسلم، وحذف الأسانيد ليسهل حفظها، ويعمَّ النفع بها، وقال: أيضا ينبغي لكل راغب بالاخرةأن يعرف هذه الأحاديث لماذا؟ قال: لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات.
بدأ -رحمه الله- بالحديث الأول حديث «إنما الاعمال بالنيات» والحديث يقول فيه عن أمير المؤمنين أبي حفص عمربن الخطاب -رضي الله عنه- أمير المؤمنين، هذا عبارة عن لقب له، ولقب مشعر بالمدح، لأنه كان الخليفة الثاني بعدأبي بكر الصديق -رضي الله عنه-؛ وعن الصاحبة جميعا.
أبي حفص وأبو حفص كنيته، كنية سيدنا عمر بن الخطاب، والحفص في اللغة هو :(الأسد) وهذا اللفظ الذي هوأبو حفص هو كنية له والكنية عند أهل اللغة وعند النحاة، هي ما صُدَّر بأبٍ، أو أمٍ، ما صُدَّر بأبٍ أو أمٍ، أم كلثومأو مثلا : أبو حفصٍ، أبو حفص هذا كنية لسيدنا عمر وقلنا أن الحفص هو في اللغة هو (الأسد) عمر بن الخطاب(العدويّ) وهو ثاني الخلفاء الراشيدين، وهو عمر المُلهم، وهو عمر الفاروق، الذي قال عنه النبي ﷺ :"قَالَ ماسلك الشيطان فجاً، ما سلكت فجاً إلاّ سلك الشيطان فجاً غير فجك" أو بمعنى ذلك، رضي الله عنه.
هذا نستعمل هذا اللفظ مع الصحابة جميعاً، نترضى عنه، والمعنى أي اللهّم ارضَ عنه ، "قال سمعت رسول اللهﷺ يقول ": طبعاً السماع هو من أقوى أدوات التحمّل، الذي يتحمل بها الراوي لأنه قد يسمع الراوى فيحمل هذاالراوي عن ذلك الرواي بالسماع، وقد يأخذه بالقراءة وقد يأخذه بالعرض من الشيخ .
قال:« سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما الأعمال بالنيات »
هذا الحديث من الأحاديث الهامة التي ينبه المسلم على تصفية نيته، وعلى اخلاصها لله -عز وجل- في أي عمليدخل فيه، فهو أصلٌ من الأصول التي يدور عليها الدين وبنيت عليه فروع كثيرة في الفقه الإسلامي، حتى قالالإمام أحمد، وقال الإمام الشافعي: يدخل هذا الحديث، قالوا: بأنه ثلث العلم ،قالوا: أن حديث «إنما الأعمالبالنيات»
هو: "ثلث العلم" لماذا هو ثلث العلم ؟ لأن كسب العبد يكون بقلبه أو بلسانه، أو بجوارحه، فالنية بالقلب هي أحدهذه الأقسام الثلاثة، ولهذا العلماء استحبوا في أي مصنف وفي أي كتاب أن يبتدئو بهذا الحديث،
الأمام البخاري أيضاً في أول صحيحه ابتدأ به.
الإمام النووي نفسه، في كتبه الثلاثة في كتاب رياض الصالحين، وكتاب الأذكار، وكتاب الأربعين نووية، ابتدأ بهذا الكتاب.
لماذ يبتدئون بهذا الحديث، تنبيهًا لطالب العلم على تصحيح النية، ليصحح نيته فيما يقصده وفيما يعزمه حتى قالأبو عبيد: ليس في الأحاديث أجمع واغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث، حديث «إنما الاعمال بالنيات»
"إنما الاعمال بالنيات" إنما طبعاً أداة حصر، أداة حصر، يعني إن أداة الحصر تثبت المذكور بعدها وتنفي ماعداها،
«إنما الاعمال بالنيات» يعني: صحة الأعمال وكمال الأعمال، إنما يكون: بالنية والنية هي قصد الشيء مقترنًابفعله.
ثم قال: «وإنما لكل امرئٍ ما نوى» لكل امرئٍ ما نوى، وهذا استدل به العلماء على تعين النية يعنى إن نويتالظهر، نويت العصر، وفي هذا الحديث أو من هذا الحديث أخذ العلماء اشتراط النية والنية في العباداتمثل:الصوم، الصلاة، الحج ، ركن من أركانها لا تصح الصلاة بلا نية، لا تصح الصلاة بلا نية.
«إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى» كل امرئٍ، كل انسان، رجل كان أو امرأة، ما نوى، له ما نوى، إننوى خيراً أصيب على ذلك، وإن نوى شراً كان وبالًا عليه، «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى اللهورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو لامرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر اليه» ما هي الهجرة ؟ الهجرة فياللغة: الترك وفي الشرع: "أن تفارق دار الكفر الى دار الإسلام خوف الفتنة".
ولكن المراد بهذا الحديث هنا الإنتقال من مكة ومن غيرها إلى المدينة قبل فتح مكة، فمن كانت هجرته إلى الله؛ مامعنى الى الله ؟ أي الى المحل الذي يرضاه الله -عز وجل- والمكان الذي يأذن به الله -عز وجل- ويشرعه لك، ويرضاهويقبله منك، «فهجرته الى الله ورسوله» من كانت هجرته الى الله ورسوله بنيته وقصده، فهجرته الى الله ورسولهقبولاً وجزاءً، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها يعنى:غرض دنيوي فهجرته الى ما هاجر اليه.
يستفيد المسلم من هذا الحديث: أنه إذا نوى النية الصالحة، فإن الله -عز وجل- يأجره ويقبله ويُقبل إليه، وأيضانستفيد أن الهجرة هنا معناها العام: أن يهجر الإنسان كل ما نهى الله عنه، فالمهاجر من هجر ما نهى الله عنه،المهاجر ما هجرما نهى الله عنه، وأيضا يستفيد الإنسان المسلم أن كل عمل نافع، وكل عمل خير يصلح بالنية،والإخلاص، وابتغاء رضى الله -عز وجل- يصبح عبادة.
ويرشدنا هذا الحديث أيضا إلى الإخلاص في العمل والعبادة حتى نحصل على الآجر والثواب حتى هذا الأكلالذي تأكله: هو مباح لك، ولمصلحة نفسك إذا نويت به التقوي على عبادة الله -عز وجل- فإنك تأجر عليه.
كما قال صاحب الزبد:
لكن إذا نوى بأكلِهِ القُوَى *** لطاعةِ اللهِ له ما قد نوى
وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم أي رواه الشيخان متفق عليه. رحم الله -عز وجل- الإمام النووي، ورحمالشيخين الذيين رويا هذا الحديث البخاري ومسلم، ورضي عن الصحابة الكرام،
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.
